أوراق ُ الفتنة مقدمة أولى: ( ُ التاريخ فيه سُم ٌّ قاتل ) علي فريد *** ******************* حَدَّ ثنَا (أحمد موسى) ؛ قال : حَدَّ ثَنا ( عمرو أديب ) ؛ قال: حدثنا (إبراهيم عيسى) ؛ قال: حدثنا ( مصطفى بكري ) ؛ قال: " ُ رأيت الرئيس (محمد مرسي) في بهو من أبهاء قصر الاتحادية وهو يتحدث مع السفيرين القطري والأمريكي، فاقتربت منهم دون أن يشعروا بي ؛ فسمعتهم يتكلمون عن بيع قناة السويس لأمريكا، ورهن الأهرامات لقطر، واقتسام ( تيران وصنافير ) بين مصر وإسرائيل؛ فأصابتني رجفة ٌ من هول ما سمعت وغصصت بر يقي وغلبتني كحة لم أستطع كتمها، فانتبهوا لي، ونظر مرسي إلي َّ شزرا ً ثم أمر حرسَه بإخراجي إلى بهو الصحفيين!! *** صَدِّق َ هذه ال ُ لا أحد يملك ُ عقلا ً يُمكن أن ي رواية .. لا لوضوح ال كذب والتلفيق في متنها ومضمونها - فكثير ٌ من ال عامة و الخاصة صَدَّ قوا أكثر َ مِّن هذا ومستعدون لتصديق أكثر من هذا - ول كن لِّسَنَدِّها الغارق في الظلمات!! كل نا يعرف الآن مَن هو (عمرو أديب) ومن هو (أحمد موسى)، ومَن هو (إبراهيم عيسى)، ومَن هو (مصطفى بكري).. نحن لا نحتاج إلى مَن يُخ بر نا بحقيقة هؤلاء ال كذبة المرتزقة.. فأية رواية وجدنا بين رواتها هؤلاء وأمثالهم ؛ فإن نا سنكذبها ابتداءً، و نعرف اختلاقها أو تحر يفها .. وأي كتاب وجدنا صاحبه يستشهد بروايات هؤلاء وأقاصيصهم فقط ؛ فإن نا سنشك في الكتاب وصاحبه ً رأسا ، و س نتوقف في الأخذ عنه أو الاستشهاد به.. اللهم إلا إن ِّ جاءت تلك الروايات أو بعضها عن طر يق ثقات مشهورين بالصدق وال عدالة ، أو إن عايش ناها بأنفسنا وشاركنا فيها ، أو إن رأي ناها ً صوتا ً وصورة كة وحر ؛ دون تدخل تقني يتلعب بها أو يقتطع أجزاءها.. ُ والعين َ تُخد ُ ع والبصر يز يغ !! هَب الآن أنه بعد مائتي سنة ، أو ألف سنة من زمننا هذا - إن كان قد بقي في الزمن ألف - أراد ٌ باحث صادق أو ٌ مؤرخ عَدل أن ي كتب َ تاري خ الثورة المصر ية ؛ فلم يجد ً التي عشناها جميعا - ِّ لأي سبب من الأسباب - سوى أحمد موسى ، وعمرو أديب ، ومصطفى بكري ، وأضرابهم ؛ لينقل عنهم تاريخ الثورة المصر ية لجيله وللأجيال اللاحقة.. هَب أن َّ ذلك حدث .. كيف تتخيل َّ أن يكون ال حال آنذاك؟! هذا بالضبط ما فعله (الإمام الطبري) رحمه الله وغفر له في تاريخه الم شهور ؛ حين روى تاريخ الفتن ة بين الصحابة رضوان الله عليهم، و َ تاريخ ما تلا ذلك من فتن صاحبت قيام الدولة الأمو ية ؛ ً معتمدا - في الأعم الأغلب ِّ م ن كتابه - على مُتَّ هَمين بال كذب، أو َ و َّ ض اعين و سبئية ، أو شيعة وروافض ؛ مثل : محمد بن السائب الكلبي، وهشام بن محمد الكلبي، وأبي مخنف لوط بن يحيى ، ومحمد بن عمر الواقدي .. وغيرهم ِّ م ن أمثالهم. ظان ٌ أننا نتجاوز حدود الأدب مع الإمام الطبري َّ وقبل أن يظن رحمه الله؛ فإننا نسارع فنقول ما تعلمناه م ن أشياخنا - وإن ٌ كان في النفس منه شيء وأشياء - َّ أن الطبري رحمه الله جرى في تاريخه على نسق زمنه في الجمع والتكثر والإسناد دون تعليق منه أو شرح ؛ " ومن أسند فقد أحال َ ، ومَن أحال فقد سَلِّم " ؛ فخرج بإحالاته ِّ م ن مظ ان الت َ ه ِّ م ودهاليز الر ِّيَب .. وهذا الكلام الذي ينشب في الحلق فيستعصي على البلع وإن شربت وراءه قربة ماء؛ يستشهدون له بقول الطبري في مقدمة تاريخه:" " فما يكن في كتابي هذا من خبر كرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه ذ ً لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أ نه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أ َّ تى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإن ا إنما أدينا ذلك على نحو ما أ دي إلينا" لا أعرف أحدا ً تكلم في مرو يات الطبري - َ م َ دحا ً أو ق ً دحا - إلا استشهد بهذا النص أو جوبه به؛ حتى صار هذا النص كال قميص الواقي من الرصاص ، أو كمسمار أمام منشار!! وهذا ا ل نص وإن كان فيه كثير ٌ من الوجاهة إلا أن َّ خلاصته كالتالي: سأنقل لك تاريخ الثورة المصر ية عن أحمد موسى، وعمرو أديب، وإبراهيم عيسى ، وأمثالهم ، ثم أنت بعد ذلك صدِّق فَعُد وَدَقِّق!! ُ وشأنك.. إن لم ت َّ ومع أن فيها َّ هذه الخلاصة حقيقة واقعية مجردة.. إلا أن ً شيئا من ظلم للطبري رحمه الله َّ ، وذلك لسببين؛ الأول: أن الطبري لم ينفرد بهذا المنهج من بين المؤرخين ؛ فكلهم أو أغلبه م كانوا ينهجون هذا النهج في روايات التاريخ والأدب و الثاني: لأ َّ ن علم التاريخ آنذاك - سمى علما ً في أولياته ُ إن صح أن ي - لم يكونوا يعتمدون في مرو ياته على التثبت والتحقق والتدقيق بقدر اعتمادهم على الجمع و التكثر؛ فهو روايات شفاهية ينقلها إنسان عن إنسان غير مشترط - ً غالبا - ِّ ص دق الناقل أو َ دِّقَّة المنقول ؛ على عادة العرب ً والناس عامة في رواية أخبارها ووقائعها .. ومن هنا جاءت التسمية الأولى لهذا العلم ضمن مصطلح (أيام العرب) أو (أيام الناس).. ومعلوم ٌ أن َّ ما كان هذا شأنه ؛ رب ما تزيد فيه الراوي - فيما لا بأس به ، أو ً غالبا فيما به ً بأس أحيانا - ؛ َ فَب َ هَّر َ الخ بر ُ وَحَسَّ نَه ، وأضاف إليه مِّن الأقوال والأفعال ما يرفع به ِّ ذ ُ كر قبيلته، وي شيع به مآثرها، و يعلي به كعبها، ويتكثر به من أشعارها و ُ خ َ ط ِّ ب َ ه ا ؛ ( كالذي رُوي عن قريش ً خاصة مِّن أنها كانت تتكثر من الشعر إذ لم يكن لها منه ما لغيرها من القبائل ) .. َّ وكان الناس لا يحملون كل هذا على محمل الجد ً دائما ، ولا يتوقفون عنده - ً غالبا - َ لإسقاطه و َ ر ِّ د ِّ ه ؛ فهم يعرفون أنها ٌ أسمار ٌ وأخبار ٌ وأشعار يُزجون بها أوقاتهم، و يفاخرون بها أندادهم، ويحفظون بها أنسابهم ، ويثبتون بها وقائعهم، ُ وي َ ن ِّ ش ئون عليها أبناءهم .. وربما عرف ُ السامع َ مكامن َ التزيد ومساقط َ الخطأ ومواقع المبالغة ؛ فتغافل عن كل ذلك وأ مضاه ؛ إذ ليس السياق سياق تحقيق وتدقيق ، أو منافسة ومنافرة ينبني عليها حكم أو يترتب عليها خَطب.. ِّ وهذا وأمثاله م ُ ن طبائع الناس م ذ كان الناس ٌ ، وهو كثير ٌ وعادي ٌ ومطروق ، حتى في أيامنا هذه في حكايا نا وأقاصيص نا (وسواليف نا ) ولا يعني هذا المؤرخين (الصادقين، الخالين من الأغراض، المشهود لهم َّ أن بالصدق والعدالة) ؛ كانوا يتعمدون نقل الأكاذيب أو ترويج الأباطيل - كغيرهم من المؤرخين المتهمين - ، ول كنهم كانوا يمارسون ما يمارسه الناس من التغاضي عن التدقيق والتمحيص في نقل التاريخ والآداب ؛ لأنه تاريخ وآداب لا ينبني عليه عمل ولا يترتب عليه حكم ، ً كما كانوا يعرفون أيضا أنه من الصعب - وربما من المحال - أن ُ ت ُ روى الوقائع ُ بحذافيرها، أو يصدق الرواة كل هم ؛ فتسامحوا - من أجل ذلك - ف ي الأخذ عن الصادق والكاذب ، والصالح والطالح ، والبريء والمتهم ، ِّ عَدَّ ل ُ والم والمجروح ؛ ما لم يتسامحوا ب مثله في الأخذ ع من يروي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن َ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ٌ شرع ٌ ودين تنبني عليه أعمال، و ي ترتب عليه حلال وحرام.. وال كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كال كذب على غيره. . فأخذوا عن كل أحد في التاريخ والآداب ، ولم يأخذوا في الحديث إلا عمن ثبت صدقه وعدله وضبطه من غير شذوذ ولا علة .. ف فرقوا بذلك - كما هو معروف - بين (منهج النقد الحديثي)، و(منهج الجمع التاريخي) المفارقة ً هنا أن َّ التاريخ نفسه، أو (أيام العرب)، أو (أيام الناس) كان سببا ً كبيرا من أسباب ظهور (منهج النقد الحديثي) نفسه.. (ت كر هذا جيدا ً واستصحبه معك في القراءة لتعرف أن َّ الأمر في التاريخ لم يعد ذ - مع الزمن - أمر (سواليف) وأخبار وأشعار؛ بل صار دينا ً أو شبه دين ينبني عليه عمل، و يترتب عليه حكم ) .. كان ( يوم الدار)، أو (يوم عثمان ) رضي الله عنه - ٌ وهو تاري َ خ وح َ د ٌ ث في أصله - سببا ً كبيرا ً من أسباب ظهور هذا المنهج الضابط؛ فبعد استشهاده رضي الله عنه ، وسيطرة الانقلابيين الخوارج على المدينة عاصمة الخلافة، وترو يع أهلها، ً مظلوما وتغيير نظام الحكم الإسلامي من الشورى إلى بدايات التغلب؛ ظهرت الفرق والجماعات السياسية والدينية التي ما كا ن صليل السيوف يهدأ بينها إلا ويبدأ صرير الأقلام و شقشقة الألسن ؛ فكثر ال كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووضع الأحاديث على لسانه الشر يف؛ لاستغلالها في المنافحة والملافحة.. وكان الناس حديثي عهد بتقوى لا يتخيلون أبدا ً أنه يُمكن لمسلم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقول: قال، وهو لم يقل، أو فعل، وهو لم يفعل، أو أمر ونهى، وهو لم يأمر ولم يَن ه.. فلما كثر الأمر وخرج عن نطاق تقبل القول أو العمل أو الأمر أو النهي، إلى حدود الغرابة والدهشة ثم الاستنكار ؛ تنبهوا ل إمكانية ال كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أبناء الزمان َّ النفوس تغيرت بعد الجيل الأول، وأن َّ وعلموا أن أفسدتهم العصبية والحزبية؛ فبدؤوا - َ ط ب َ ع ً ا ً وتلقائية - ِّ في رَد ً كثير مما يسمعون منسوبا ِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إما لأن َّ راو ِّ يه ُ م َّ ت ٌ هم عندهم بتحزب أو بدعة (وهذا هو بعض نقد السند)، وإما لأن َّ الكلام الذي سمعوه منسوبا ً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ُ لا ي َ شبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما يقولون: ليس عليه رداء النبوة ، (وهذا هو بعض نقد المتن). وكان لمعرفتهم بطبيعةكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وتذوقهم طرائق َ كلام الجيل الأول أثر مبدئي في تمييز الصحيح من السقيم.. وهذا طبعي وفطري في الناس ؛ فإنك مثلا ً حين تسمع لأول مرةكلاما ً تستغربه أو تستحسنه ً كلهم قديما ً وحديثا أو تستقبحه؛ لا يخطر على بالك شيء أكثر من سؤال ك : لمن هذا الكلام، أو من صاحب هذا الخ بر، ثم بعد ذلك تنظر في الكلام وتدقق فيه ، َ فإن كنت تعرف كلامَ المنسوب إليه، وغلب على ظنك - من معرفتك بطرائق كلامه - أنه يمكن أن َ يقوله؛ آمنت َ وص َّ د قت بنسبته إليه، َ وإلا رددت ه وقلت: لا يشبه كلام فلان .. َ وم ن عايش شعر الشعراء - ً مثلا - وعرف طرائقهم في الكلام ؛ سهل عليه - في الأعم الأغلب - حين ً يسمع بيتا دون نسبة ، أو مختلف في نسبته؛ أن يتوقع اسم صاحبه، .. وهذا كثير ومتعارف عليه بين أهل كل ً ، ثم صاحبه ثانيا ً أو يتوقع زمنه أولا فن ، وهو وإن لم يصدق دائما ً بسبب اختلاف الأذواق والفهوم؛ يمكن أن َ ستَصحَب ُ ي لتقو ية نِّسبة أو تضعيف أخرى. ً بهذه البدايات أسسوا منهجا ً نقديا واجهو ا به الأكاذيب و فضحوا به ال كذبة، ثم تطور هذا المنهج تطورا ً عظيما ً عبر الأجيال حتى صار ميزة ً لعلم الحديث بين العلوم، ومفخرة ً لهذه الأمة بين الأمم. وكان أكثر ما اهتموا به بعد ذلك هو البحث في سل سلة السند، والتفتيش عن عدالة الرواة وضبطهم، وتحديد طبقاتهم، ، وأخذ ً والتأكد من لقاء بعضهم بعضا بعضهم عن بعض .. وما اهتموا بنقد السند ً كثيرا نقد السند وإسقاطه َّ إلا لمعرفتهم أن ؛ سيوفر عليهم عناء نقد المتن ورده.. فما الحاجة إلى نقد م تن في رواية رواها - أو كان بين رواتها - ُ أمثال : عمرو أديب، أو أحمد موسى، أو إبراهيم عيسى، أو ُ وح َ ل الثلج و(برطمان التوابل) يوسف زيدان؟! هي بالضرورة ً كاذبة غالبا ، أو غير صحيحة إلا إذا عضدها من هو معروف بالصدق والضبط والعدالة ً ثم لم يجدوا غضاضة - بعد أخذ ورد - في ال أخذ عن صاحب البدعة ( غير المكفرة ) فيما لا يعضد بدعته، وبشروط العدالة والضبط وعدم الدعوة إلى بدعته ؛ لغلبة الظن َ أنه سيجر القرص إلى ناره؛ ف َ ر َ و وا عن الشيعة الأوائل الذين كانوا (فقط) ُ ي َ ف ِّ ض َ لون عليا ً على عثمان - وكان ُ تفضيل علي ً على عثمان بدعة آنذاك - ، ك ما رووا عن الخوارج ً في غير بدعتهم أيضا و بالشروط ذاتها.. والخ وارج في الرواية أ قل خطرا ً من الشيعة ِّ ؛ إذ الخارجي لا يكذب عليك َ وإن قتلك ؛ لأنه يرى كفر مرتكب المعصية أو ال كبيرة ؛ وال كذب معصية .. فهو ل اعتقاده َّ أن ال كذب ُ ي خرجه من الملة ؛ يمكن أن يقتلك ول كن لا يمكن أن يكذب عليك.. أما الشيع ي فيقتلك ، و يكذب عليك ، ً ويرى قتلك دينا ، كما يرى ال كذب ً عليك دينا !! *** َ ما س َ بق ش ٌ رح ُ شديد الاختصار لطبيعة المنهجين : التاريخي القائم على الجمع والتكثر ، والحديثي القائم على التنقية والتحرز .. ً عدَم أن تجد في أوليات المنهجين شذوذا ُ ولا ي عن هذه القاعدة؛ فيمكن أن تجد مؤرخا ً يتحرز في رواياتِّه وينقِّيها؛ فلا ينقل عن كل ِّ أحد، ولا يوغل في كر ذ تفاصيل ُ ، أو اختل ً لا جدوى لها غالبا َ ف في صحتها؛ كخليفة بن خياط، وعوانة بن الحكم، وسيف بن عمر.. كما يمكن أن تجد مُحدِّثا ً يغلبه منهج الجمع والتكثر فيروي كل حديث سمعه أو قرأه طلبا ً للتكثر، وربما طلبا ً للرفعة والرواج المعنوي والمادي عند العامة والسلطان.. وفي علماء المدرسة ال كوفية ال كثير من هؤلاء ؛ إن لم تكن المدرسة كلها أو أغلبها قامت على هذا وأمثاله ُ والأصل في كل علم جَم عُه ُ ثم تنقيته ؛ لام الجامع ُ حال ُ فلا ي جمعه إلا إذا أصدر حكما ً قبل التنقية.. ٌ والتنقية استبعاد نَقِّي أن يشرح أسباب ُ وإثبات، والأصل ُ في الم إثباتهكما يشرح أسباب استبعاده ، فإذا اقتصر الجامع ُ على الجمع دون تنقية أو تعليق ؛ بدا جمعُه للناس كأنه تنقية ِّ ، فحكموا على (المجموع غير المنقَّ ى) واستشهدوا به؛ فضلوا وأضلوا .. وهو ما حدث مع مرو يات الطبري التاريخية خاصةً. وهذا - غُوفِّل َ عنه في أخبار الماضين من الأمم الغابرة؛ مثل ُ إن جاز أو ت : ِّ ط س م َ وجديس وعاد وثمود، وأساطير ب دء الخلق وأول الزمان، وترهات الرومان واليونان ؛ مما يصلح للأسمار والترويح عن الأنفس - ؛ لم يَجُز ِّ في رصد أعظم فتنة عصفت بالأمة في أولياتها ف لم تجتمع بعدها على إمام.. لأن هذه الفتنة لم تعد أخبارا ً تروى للسمر، أو حكايا تُحكى للترويح؛ ُ بل صارت دينا ً ومعتقدا ً ب نيت عليه ا ُ أحكام، وترتبت عليها أعمال، واعت ُ قدت بسببها عقائد، وس فكت فيها دماء، و َ قُسِّم بها خير القرون إلى شبه ُ ما ي (ال ملائكة و ال شياطين ) !! و قد تنبه إلى هذا إمام ٌ كبير في الجرح والتعديل؛ هو الإمام ( الجوزجاني ) رحمه الله ؛ فكتب ً كلاما ً مذهلا ً فارقا ِّ في بابِّه ِّ عد ُ يدل على ب نظر ، وشدة تحرز ، وصدق توقع ؛ ف قال في كتابه (أحوال الرجال): َ " ف َ ي ِّ ا ل ِّ عباد ِّ الله أما ل كم في المقانع م ن المبرزين ِّ وأهل الأمانة من المحدثين سعة ومنتدح أن تحووا حديثهم الذي رووه عن الثقات والمتقنين من أهل كل بلدة ؛ َّ فتعتقدونه فإن في حديثهم لذي فهم غنى ، لا ؛ ول كن كثير ً ا منكم جار عن الطر يق ، ً وجعل طلبه لهذا الشأن وجمعه نزهة وشهوة ، فإذا ُ است ِّ عت َ ب فيه قال : إنما أكتبه للمعرفة ، ُ فيا سبحان الله تكتب َ حديث أهل الصدق للمعرفة ، وحديث المتهمين للمعرفة ، ُ فمتى تترك هذا ؟! ٌ وعسى أن ينشأ بعدنا قوم فإن عوتبوا فيهم ؛ قالوا : قد روى عنه فلان ؛ فيتخذوه حجة ، ِّ فكما نقول نحن اليوم ل َ ب ِّ عض ُ الب ل ِّ ه : لم تروي عن فلان ؟! قال : أليس قد روى عنه فلان ؟! ُ فقد صار حديث ِّ أهل ً الز يغ أيضا ُ ي طلب بالط ِّ رق ِّ المظلمة بعد الحجة الواضحة.." وهذا - كما ترى - استشراف ٌ نص ٌ ي جليل استشرف به الجوزجاني رحمه الله ما حدث بعد ذلك ً فعلا .. وهو وإن كان يقصد به الحديث الشر يف ؛ إلا أنه يص دق على كل رواية يُمكن أن يترتب عليها ما يترتب على ا لحديث الشر يف .. والحديث الشر يف نفسه - مع كل هذا - لم يسلم من الوضع ً أيضا ؛ ف ُ قد وضع ال كذبة والمنافقون والمغرضون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ، وأثبت ُ الضعفاء والمجروحون والموهَّ نُون عنه صلى الله عليه وسلم؛ ما فاق أثَرُه السيء أثر َ أسوأ المرو يات التاريخية لأسوأ الرواة التاريخيين؛ المسلم قد َّ لأن يرد أقاصيص التاريخ بأريحية ِّ غير شاعر بذنب أو حامل لإثم ، أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحسب سلِّم المسلم أن يسمع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يُ بالأمر والنهي والفعل والتقرير شكك في نسبة القول أو الفعل أو التقرير ُ ، ثم لا ي إليه صلى الله عليه وسلم إلا بعد بحث وتدقيق؛ ليريح ضميره ويتحرز من تحمل إثم الرد أو ذنب التشكيك.. ولهذا كان خطر ال كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من خطر ال كذب على غيره.. بل لا مقارنة بين ال خطرين ً أصلا الظر يف في الأمر أن الإمام الجوزجاني رحمه الله كان شيخا ً للإمام الطبري؛ أخذ عنه الطبري كثيرا ً من علمه، كما أخذ عنه الأئمة: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم.. ُ ومن غير الم ِّ تَصَوَّ ر عقلا ً ألا يكون الطبري قرأ هذا النص في كتاب شيخه ، أو سمعه ، أو سمع منه في دروسه المباشرة ما هو أشد من ه ؛ فالجوزجاني رحمه الله كان معروفا ً بالصلابة والحدة في نقد الرجال وسلاسل الإسناد ؛ خاصة تلك المتعلقة بالتشيع والمدرسة ال كوفية ، - ُ وكان م صيبا ً في ذلك َ وبعيد نظر فيه رحمه الله - وربما ِّ غلبته ح َّ د ُ ت ُ ه فاشتد في إطلاق عبارات ال جرح بقسوة بالغة، حتى توقف كثير ٌ من المُحدِّثين في قبول جرحه لراو بعينه إن انفرد ب جرحه ، بينما عدوا تعديله قمة التعديل.. وهو صاحب القاعدة السابقة (جواز الأخذ عن صاحب البدعة الصدوق في غير ما يعضد بدعته) والطبري عموما ً لا ت غيب عنه هذ ه المضامين وأمثالها؛ َّ بيد أن ه رحمه الله غلبت ه طبيعته الموسوعية المحبة للجمع والتكثر ، وتقصي روايات السابقين و أقوالهم في المسائل التي يتناولها .. ً وهي طر يقة غلبت على كثير من علمائنا الأجلاء عبر تاريخنا كله، خاصة َ في العهود المتأخرة.. ولعل السيوطي رحمه الله خير مثال على ذلك؛ فقد ش ه َ اب َّ الطبري ه ُ في الجمع والتكثر والتفسير بالمأثور؛ حتى لتكاد تشعر وأنت تطالع َ ل َ ومَاث نتاج الرجلين رحمهما الله أنهما تخيلا أن َّ طوفانا ً كطوفان نوح سيضرب الأرض و يعفي الآثار ويمحو العلم؛ فهما يجمعان كل شيء حتى لا يضيع.. و هذا وإن كان فيه خير ٌ كثير ٌ كثير ٌ كثير ٌ لطالب العلم؛ إلا أن خطره على العوام َّ فهِّم َ العامي ُ ؛ فإنك ستعاني الأمرين حتى ت ً ستهان به؛ بل وعلى طلبة العلم أيضا ُ لا ي حقيقة َ الأمر حين يأتيك برواية غاية في الغرابة والبشاعة، ثم يقول لك: انظر إنها في الطبري، إنها في الب داية والنهاية، إنها في م ستدرك ا لحاكم.. وهذا العامي ربما يكون من حملة ( الماجستير والدكتوراه ) في فن غير فن الرواية أو التاريخ أو ما .. أما طلبة العلم المتحزبين ً يسمونها العلوم الإنسانية عموما ، أو المغرضين ، أو السائرين الأمر َّ ين َ اللَّذَين عانيتَهما مع العامي سيصيران مع َّ على الأثر، وعلى كُل ِّ أثر؛ فإن هؤلاء ألف مُر ِّ ومُر، وستصبح كلمات مثل: (الاستحسان) و(الاستصحاب)، عمل ُ به في فضائل الأعمال)، و(مَن سلفك في هذا)؛ رصاص ُ و(غلبة الظن)، و(ي ً ا مذاب ً ا ُ ي َ ص ب !! ً في أذنيك صَبَّا الطبري رحمه الله َّ ومع ملازمة هذه الطبيعة له؛ إلا أن - وكما هو معروف - لم يسحب منهجه في التاريخ إلى التفسير والفقه والحديث؛ فهو في هذه العلوم يجمع ؛ ً أيضا ُ ول كنه ي َ ن ِّ ق ُ ي وي َ ه ِّ ذ ُ ب ُ و ي َ ع ِّ ل ُ ق ُ وي ُ بدي الرأي وي َ ر ِّ ج ُ ح ويتحرى روايات عَدَّ لين ُ الم في الإسناد ؛ لارتباط هذه العلوم بما يحرم التجوز فيه من قرآن كريم وسنة مطهرة .. ولذلك لم يرو شيئا ً لأبي مخنف في تفسيره وحديثه وفقهه؛ بينم ا روى له في تاريخه قريبا ً من ستمائة رواية ؛ خصص منها ل بيعة علي رضي الله عنه ، و ل ما سبقها من مقتل عثمان رضي الله عنه أكثر من مائة وعشرين رواية، كما خصص لموقعة كربلاء و مقتل الحسين رضي الله عنه أكثر من مائة رواية ، ثم وزَّ ع بقيتها على أكثر من مائة وعشرين سنة؛ من خلافة الصديق رضي الله عنه إلى نهاية الدولة الأمو ية سنة 132 ه ؛ مرورا ً بخلافة معاو ية رضي الله عنه، واستخلاف يزيد رحمه الله، وموقعة الحرة، وحركتي المختار الثقفي والتوابين، ومعارك الخوارج.. ولا يعني هذا أن َّ الطبري جعل أبا مخنف عمدته في الرواية؛ بل كان - كما يبدو - يتخير الرواة َ للأحداث؛ فهو غَلِّب ُ الأخذ عن ُ ي ( سيف بن عمر ) في الردة وبعض ُ الفتوح، و ي َ غ ِّ ل ُ ب الأخذ عن ( ابن إسحاق ) ُ في السيرة والمغازي، و ي َ غ ِّ ل ُ ب الأخذ عن ( الواقدي ) ُ في سرايا وغزوات العهد الراشدي، و ي َ غ ِّ ل ُ ب الأخذ عن ( عوانة بن الحكم ) ُ في أخبار الدولة الأمو ية وصراعاتها، و ي َ غ ِّ ل ُ ب الأخذ عن ( ابن السائب الكلبي ) ُ في الأنساب والفتوحات الأولى، و ي َ غ ِّ ل ُ ب الأخذ عن ( المدائني ) في أواخر الدولة الأمو ية وبدايات العباسية.. وهكذا تجده يت ن قل بين الرواة من راو لآخر بحسب الأحداث؛ إمَّ ا لغلبة ظنه أن هذا الراوي هو الأعلم بالحدث، أ و أن َّ روايته هي الأليق بالتصديق والأقرب للواقع؛ وإما - وه و ما أميل إليه بشدة - لمجرد الجمع والتكثر ؛ بغض النظر عن الصدق وال كذب. الطبري َّ وواضح ُ هنا أن رحمه الله اختار أسوأ الرواة (أبا مخنف) لأسوأ أحداث تاريخنا ( مقتل عثمان، و بيعة علي، و مقتل ٌ الحسين)؛ وهي أحداث ُ مفصلية صارت - أو صُي ِّرَت بفعل السياسة والتحزب - ِّ سببا ً في إفراز ِّ ومراكمة ِّ أسوأ أنواع الدمامل والصديد عبر عصورنا الإسلامية كلها .. ثم جاء الطبري رحمه الله وصبغها باسم هذا الشيعي ال كذاب، حتى ليصح أن يقال - مع بالغ الاحترام للطبري: لولا الطبري ما كان أبو مخنف!! *** سي ق ول َ لك ُ أهل الاختصاص: إخضاع تاريخ الطبري َّ إن لمناهج النقد الحديثة والحديثية عمل ٌ غير مستحسن، والأفضل النظر إليه بعين التاريخ في زمنه.. وهذا الكلام وإن كان مغرقا ً في التجريد العقلي الجاف ؛ َّ إلا أن كد ما نحاول تقريره ه يؤ في هذا المقال.. فح ين نظرنا إلى تاريخ الطبري بعين زمنه؛ وجدنا عين َ زمنه تقول لنا : احذر َّ مما تقرأ فإن ُ جُلَّه مروي ٌ عن عمرو أديب، ومصطفى بكري، وإبراهيم عيسى، وأحمد موسى.. ِّ فإذا رأيت سَقَط َ أبناء َ الزمان، و(عيال الفيس بوك) ي كتالون من هذه الروايات بالكيلو ( و يتنططون) بها أمام الناس ، ثم يرمونها في وجوه هم ؛ معتمدين على نظافة اسم الطبري ؛ فأخبرهم أن َّ نظافة اسم الطبري لا تنسحب على ( قذارة ) أبي مخنف، وإبراهيم عيسى، ُ أمانة الطبري في النقل الم َّ وأن َ سن د لا تنسحب على ( خيانة ) ابن السائب، ومصطفى بكري في ال كذب المفضوح!! صحيحٌ أن َّ إخبار هؤلاء العيال بهذا وأمثاله لن يردعهم عن (النطنطة) والتقافز .. َ بيد أنه سيُشِّيع ُ بين الناس منهجية (السند) في النقل عن كتب الثقات ، ثم منهجية ( الفهم ) لطبيعة تلك ال كتب بحسب تخصصاتها .. وشيئا ً فشيئا ً سيبدأ الناس في قراءة الطبري وأمثاله من خلال ( السند ) ؛ فل ا يقولون بعدها: " قال الطبري: و ك ان تحت منصة (رابعة العدو ية ) َ ن َ ف ٌ ق ُ ينتهي بك رة أرضية يمارس فيها المعتصمون ( جهاد النكاح ) ، وتعذيب المخالفين و قتلهم ودفنهم فيها .. وقد حدثتنا قناة الميادين الشيعية أن َّ هذا النوع من الجهاد انتقل إلى سور يا و شاع فيها ؛ ً حتى لا تكاد تجد مجاهدا إلا مارس ه أ و حرص على ممارسته .. " لن يقولوا إن َّ الطبري قال ذلك؛ بل سيقولون: هذه روايات ال كذبة أبي مخنف، وأحمد موسى، وابن السائب، وعمرو أديب ؛ بالإضافة إلى منصات الشيعة الإعلامية التي كانت تمارس - فيما يخص سور يا - ً دعاية سوداء ضد المجاهدين في الإعلام ؛ َ بالتزامن مع ق ت ِّ ل ميليشياتهم للمسلمين السور يين على الأرض.. الظر يف - وهذه جملة اعتراضية - أن َّ الذي مارس القتل ً حقيقة في (رابعة) كان هو النظام المصري الذي أشاع هذه الأكاذيب ضد معتصمي رابعة .. والذي مارس (قتال النكاح) ً حقيقة في سور يا ؛ ك ان هو ال نظام النصيري الشيعي الذي َّ جَنَّد َ مَن أسماهن (صبايا العطاء) للتشبيح وا لترويح عن الضباط الروس الصليبيين والضباط الإيرانيين المشركين .. ولا غرابة في هذا عنده م ؛ فالشيعة يمارسون ذلك !! ً يوميا ً من خلال (المتعة) التي يعتمدونها دينا *** بهذه الطر يقة في القراءة سيفهم الناس شيئا ً فشيئاً طبيعة التأليف في علم التاريخ ، كما سيفهمون طبيعة ً قديما الطبري في الولع بالجمع والتكث ر الذي كان ً منهجا ً شائعا َّ ؛ فإن ً في التأليف آنذاك.. بل والآن أيضا ً أحدا ً لا يؤلف كتابا ً أو يكتب بحثا إلا َ جمع وحشد له غالب ما كُتب َ في موضوعه .. وحسبك أنك ً لا تكاد تخطو خطوة مية) التي يسمونها الماجستير والدكتوراه إلا وتصاحبك ِّ في أبحاث (العَال ُ أسئلة المشرف عليك: هل جمعت كل ما يخص موضوعك؟! هل استق َ صيت كل الآراء فيه؟! هل طالعت الدراسات السابقة؟! وهكذا دواليك تجمع ، ثم تصنف ، ثم ترتب ، ثم تنقح ، ثم تنقد ، ثم تتابع أو تخالف.. *** َ وقد كان في الإمكان التغاضي عن ج م ِّ ع ِّ الطبري وروايته عن المشهورين تهَمِّين ُ والم بال كذب والرفض والسبئية؛ إن هو نقَّ ح واستدرك و نقد وأبدى رأيه .. كنا سنعرف - على الأقل - موقفه من الأحداث بدلا ً من تعر يض اسمه لتهمة التشيع ً التي برأه منها جلة العلماء قديما ً وحديثا .. وقد أحسن ابن كثير في هذه النقطة تحديداً؛ فعلى الرغم من اعتماده في (البداية والنهاية) على تاريخ الطبري ومرو ياته في الفتنة - بما فيها مرو يات أبي مخنف - ُ إلا أنه كان يُحَذِّر مِّن الاغترار بروايات ه، وينتقد إكثار الطبري من الرواية عنه ، و ً يستدرك وينقح ويُبدي رأيه رفضا و .. ً تشكيكا و هذا ما لم يفعله الطبري - جر يا ً على عادة التسامح في رواية التاريخ - ؛ فلم ينتقد ولم يعلق، " ووقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح"؛ قال كما - مصطفى شاكر الأستاذ العربي (التأريخ موسوعته: في والمؤرخون)، " و لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة مما جمعه، وترك للقارئ حر ية النقد والترجيح مكتفيا ً بالعزو إلى المصادر"؛ كما قال الأستاذ أكرم ضياء العمري في كتابه (عصر الخلافة الراشدة) ؛ ما "أدى إلى تراكم الروايات الكاذبة والمستشنعة عن تاريخنا الإسلامي عبر العصور، وترسيخ الأوهام والأباطيل عنه في أذهان الناس" كما قال الأستاذ محمد طاهر البرزنجي في كتابه (صحيح وضعيف تاريخ الطبري). كان هذا أكبر انتقاد وُج ِّه َ للطبري رحمه الله في تاريخه؛ بالإضافة إلى انتقاد ات أخرى؛ مثل: إكثاره من الحكايات الخرافية والإسرائيليات عن بدء الخلق ، و أوليات الأمم، وقصص الأنبياء وأحوال العرب قبل الإسلام، وعُمر ِّ الدنيا، ثم تجزئ ته ل لأحداث وتوز يعها بين السنين و العودة إليها في سنة أخرى، وقطع ه رواية ِّ راو ل ِّ ذ ك ِّ ر ِّ رواية الأحداث ال كبرى َ راو آخر وسط رواية الأول، وإغفاله بعض مثل فتح الأندلس ودولة بني أمية فيها.. وغير ذلك مما ستشعر به حين تقرأ الكتاب كزا ً في مقدمات كتاب (صحيح وضعيف تاريخ قراءة متصلة، أو ستجده مختصرا ً ومر الطبري). *** سيثور في ذهنك الآن - ً ولعله ثار سابقا - ٌ سؤال يقول : ألم يجد الطبري - وهو مَن هو في علمه وصدقه وضبطه - رواة موثوقين في زمنه ، وفيما رجع إليه من مصادر قبل زمنه؛ ينقل عنهم بدلا ً من النقل عن كل هؤلاء المتهمين أو ال كذبة أو الضعفاء؟! َ والحقيقة أنه و َ ج َ د ُ موثوقين ك ُ ثر، وروى عن موثوقين ك ثر، أو عمن هم ً أقوم ُ قيلا أ و ً أقل ضعفا أ و أكثر ً قبولا ، أو عن ضعفاء غير متهَمِّين بكذب أو تشيع؛ فقد روى عن ابن أبي خيثمة، ومحمد بن بشار (بندار)، ومحمد بن المثنى العنزي البصري، و يونس بن عبد الأعلى، وأبو كريب، وخليفة بن خياط، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم ، وعمر بن شبة النميري ؛ وغيرهم من أمثالهم على اختلاف مراتبهم في الموثوقية ؛ بيد أن َّ روايته عن هؤلاء غابت أو طُمرت وسط ركام المرو يات الأخرى ل أسباب عِّدَّ ة؛ منها: الأول: أن المواضيع التي روى لهؤلاء فيها ُ لم يثر حولها كثير جدل ، أو كان َ الاختلاف حولها ه ِّ ي َ ن َ ا ً ل ِّ ي َ ن ً ا لم تتفرق الأمة بسبب ه؛ مثل الفتوحات الأولى، وخلافة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وبعض الأحكام ، وبعض التفسير، وبعض تفاصيل الأنظمة الإدار ية المستحدثة في الخلافة الراشدة، أو ال دولتين الأمو ية والعباسية .. الثاني: أن َّ ما رواه عنهم فيما تفرقت الأمة بسببهكان ً قصيرا ً ومختصرا ً غالبا لا يروي غُلة الأقاصيص والحكايا والأساطير التاريخية، أو واقعيا ً بحسب حجمه الطبيعي آنذاك دون تهو يل أو تزيد ؛ فغالب روايات خليفة بن خياط، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم؛ في مقتل الحسين ً مثلا ؛ كانت صفحات معدودة ليس فيها كثير تفاصيل، وبعضها - كرواية خليفة بن خياط - لا ت كاد ُ ت ِّ ت م صفحتين الثالث: أن َّ ما رواه عنهم من مطولات فيما تفرقت الأمة بسببه؛ ظل دون زخم ملحمي كزخم مقتل الحسين ؛ فرواي ته عن سيف بن عمر في مقتل عثمان ً مثلا تجاوزت سبعين صفحةكان فيها من التوازن والواقعية والمعقولية ما يمكن أن قر ِّبها ُ ي من الحقيقة ؛ بيد أنها ظلت - منذ ذلك التاريخ وحتى ال آن للأسف الشديد - ً حادثة ً عادية أو أقرب إلى العادية إذا قورنت بزخم حادثة الحسين .. هذا على الرغم من علو درجة عثمان رضي الله عنه التي فاقت درجة الحسين رضي الله عنه ً فضلا ً وسابقة ً وبذلا ً وجهادا ً ومنصبا ُ ش ِّ ور َ ي ً ا ، بالإضافة إلى بشاعة ما ارتكبه الخوارج الانقلابيون في حق عثمان من إهانة و إذلال وتجو يع وتعطيش ونهب لداره، وهتك لعرضه، وترو يع للمدينة وأهلها، واستباحة لحرمتها، وإسقاط للشورى و تغيير ل نظام الحكم ُ ، وجعجعة بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللاتي ه َّ ن (أهل البيت) بنص القرآن؛ مما لم يحدث مثله للحسين رضي الله عنه ؛ على الرغم من تزيد ال كذابين في تفاصيل مقتله .. ولا يحتاج ال ُ دقق مُ إلى كثير نظر لمعرفة أسباب َ ذلك؛ ف َ ت َ س ي د الرؤ ية العباسية المعتمدة على الرواية ال كوفية، ثم التشيع بدرجاته كلها ، ثم ترفع أهل السنة عن انحطاط اللطم وال كربلائيات وتجديد الأحزان وتوثين ال بشر ، ثم العاطفية المغالية عند كثير من خواص أهل السنة وعوامهم تجاه الحسين؛ كل ُ هذا وغير ه َ س َ اه َ م في تضخيم حادثة الحسين إلى حد مغرق في الغرائبية والتوثين، وت رقيق حادثة عثمان إلى حد مغرق في الت هاونية و العقوق !! وأنت ترى في عصرنا هذا كيف يتلعب الإعلام بالقضايا تلعب الصبيان بال كُرةِّ، وكيف يخدع - حتى العقلاء - عن عقولهم خديعة الطفل بالحلوى ُ ؛ في ِّ عل ي من شأن كز قضية ويخفض من شأن أخرى، و يضع قضية في المر ، و يُهمل أخرى في الهامش ؛ وهما في الأهمية والعاطفية والدينية سواء ؛ ُ في َ ري الجميع َ حصار ( غزة ) ً ساعة بساعة و يوما ً بيوم؛ بينما يُخفي في الهامش ً مثلا حصار الحوثي لمدينة ( تعز ) منذ 2015 وحتى كتابة هذه السطور ُ .. وي ِّ ر َ ي الجميع مجازر ( غزة ) على الهواء ً مباشرة - وهي تستحق - بينما يُخفي في الهامش مجازر (الموصل) التي فاقت مجازر غزة عشرات المرات (ولا مفاضلة في المجازر).. أما (الباغوز) فسأكون شديد التفاؤل إن ُ ظننت أن عشرة بالمائة ممن يقرؤون كلامي هذا يعرفونها أو يعرفون مكانها؛ فضلا ً عن معرفتهم بما حدث فيها من إبادة كاملة شاملة!! هذا عدا تجر يف الوعي وتغييب العقول ب تصوير المنحرفين مهتدين، والمشركين مجاهدين، والمجرمين أبطالا ً مقاومين؛ ً تماما كما يحدث الآن مع الشيعة - ةً، َ حَوث َ وحزبالةً، وح ش َ د َ اً، وم ِّ لال َ ي ً ا - ؛ َّ لأن أمريكا تضربهم بعد انتهاء غرضها منهم ؛ ِّ ككلاب صيد صادت بهم مُعَلَّمين، ثم صادتهم مسعورين!! لقد تم تضخيم حادثة الحسين تضخيما ً كبيرا ً جداً؛ لا لمكانته وفضله فقط؛ َّ فإن أباه عليا ً رضي الله عنه ُ ق ِّ ت َ ل قبله و كان أفضل منه ، وعثمان رضي الله عنه ُ ق ِّ ت َ ل قبله و كان أفضل منه، وعمر رضي الله عنه ُ ق ِّ ت َ ل قبله و كان أفضل منهم ً جميعا ؛ َّ ول كن لأن (قناة الجزيرة ال كوفية) آنذاك رأت َّ أن حادثة الحسين هي النموذج الأمثل الصافي الذي يمكن استخدامه بحمولاته ( ال دينية و ال عاطفية و ال سياسية و ال ثور ية) ؛ في تحقيق الأغراض وإدراك الأهداف؛ ثم لا يستطيع أحد ٌ الاعتراض عل ى هذا الاستخدام، أو إسقاطه أو إعادة النظر والتفكير فيه؛ كالذي يمكن أن َ يحدث مع م َ ق ِّ ات ِّ ل ِّ الشخصيات ٌ الأخرى.. وهي بهذه الحمولات سلاح ٌ مثالي ٌ فتاك يمكن استخدامه لتحقيق ك ل ا ل أ غ ر ا ض ا ل د ي ن ي ة و ا ل س ي ا س ي ة و ا ل ع ا ط ف ي ة و ا ل ث و ر ي ة ، ثم تشو يه وطعن َ كل ِّ م ُ ن تسول له نفس َ ه إعادة ِّ التفكير ِّ والنظر باتهامات (النصب)، كراهية آل البيت، وماذا ستقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة (هذا و إن أدخلوك الجنة).. تماما ً ك (قضية فلسطين) التي حَمَّلهَا مستخدموها - على اختلاف منطلقات هم - بكل الحمولات الدينية والعاطفية والسياسية والثور ية ؛ لتحقيق أهدافهم وإدراك أغراضهم؛ حتى صارت عبد من دون الله ُ وثنا ً ي ، أو صنمَ عجوة ي طوف حوله القومجيون بأنواعهم، والمتأسلمون بأنواعهم ، والشيعة بأنواعهم ، ثم يأكلونه عند أول ِّ عَضَّ ة جوع.. فإذا ظهر من يطالب بضرورة التوقف ً قليلا لإعادة النظر في حمولات هذه القضية ، وطبيعة استخداماتها ، ومنطلقات مستخدميها ضربته ؛ اتهامات والتخذيل، والاستخذاء، والعمالة، (التصهين، َ كراهية م و ن أسموهم رجال الله، والاستهانة بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشر يفين.. لتظل قضية فلسطين كدماء الحسين التي استخدمها العباسيون لضرب أبناء عمومتهم الأبعدين بني أمية، ثم لما انتهوا منهم؛ التهموا صنم العجوة وضربوا أبناء عمومتهم الأقربين بني علي والحسين ؛ وبطرائق أشد بشاعة وأكثر خسة .. ولو نال بنو علي والحسين ما ناله بنو العباس لفعلوا في أبناء عمومتهم ما فعله أبناء عمومتهم فيهم .. و ا ُ لم ُ لك _ كم ا قيل - عقيم َّ إن التاريخ يكتبه المنتصرون ، ُ وي ث ِّ ب ُ ت ُ ه ُ العامة والغوغاء وينقيه الغرباء.. ولا جذر أثبت من العامة والغوغاء؛ فإنهم إن نشؤوا على شيء وتعاقبت عليه أجيالهم؛ صار تغييره محالا ً أو قريبا ً من المحال .. ولا ألم أبشع من ألم الغرباء ؛ فإنهم لا يواجهون المنتصر الذي َ ك َ ت َ ب و َ ه َ لك َ بقدر ما يواجهون التربة َ نفس ها التي نبتوا فيها .. ولا غربة أشد من هذا!! *** لقد كان منهج ُ الطبري في ال َ ج ِّ مع سيفا ً ذا حدين؛ ُ جاء منه بعض خير ، َ وس َ ال منه ُ كثير َ ش ر.. َّ أما خيره فإن اعتماد الطبري على الإسناد فتح لمن جاء بعده أبواب معرفة حقيقة الرواية بمعرفة حقيقة الراوي ؛ فلا ي أخذون ما رُوي َّ كل مأخذ الجد، ولا يحملون كل َّ ما قيل على محمل ال واقع..